ابن عجيبة

200

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وكان شيخ شيوخنا سيدي على رضي اللّه عنه يقول : ( من أراد أن يذوق فليذهب إلى السوق ) . وذلك لأنه مظنة الزحام ، وفيه عند الأقوياء الربح التام ، فيقال لهم : يا أيها الناس الكاملون في الإنسانية ؛ كلوا مما في الأرض بأرواحكم وأسراركم ، شهودا واعتبارا ، حلالا طيبا ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان ، فتقفوا مع ظواهر الأكوان ، فتحجبوا عن الشهود والعيان ، فإنه لكم في صورة العدو المبين ، لكنه في الحقيقة يحوشكم إلى الرسوخ والتمكين ، لأنه كلما حرككم بنزغه فزعتم إلى ربكم في دفعه ، حتى يمكنكم من حضرته ، فإنما يأمركم بما يسوء وجوهكم ويغم قلوبكم ، من مفارقة شهود الأحباب ، والوقوف من وراء الباب ، وأن تقولوا على اللّه ما ليس بحق ولا صواب ، كثبوت السّوى ، أو الالتفات إلى الهوى . واللّه تعالى أعلم . ثم أعلمنا الحق تعالى أن بعض من سبق عليه الشقاء لا يخرج عن هواه ، ولا يجيب من دعاه ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) قلت : الضمير في ( لهم ) يعود على ( من يتخذ من دون اللّه أندادا ) ، أو على ( الناس ) ، من قوله : ( يا أيها الناس ) ، أو على ( اليهود ) المتقدمين قبل ، وألفي : بمعنى وجد ، يتعدى إلى مفعولين ، وهما هنا : ( آباءنا ) والجار والمجرور ، أي : نتبع في الدين ما وجدنا آباءنا كائنين عليه . يقول الحق جل جلاله : وَإِذا قِيلَ لهؤلاء المشركين من كفار العرب : اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ على رسوله من التوحيد ، وترك الأنداد له والأمثال ، وتحريم الحرام وتحليل الحلال ، قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام ، وارتكاب المعاصي والآثام ، قال الحق جل جلاله : أيتبعونهم تقليدا وعمى ، ولو كان آباؤهم جهلة لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً من الدين ، ولا يتفكرون في سبيل المهتدين ؟ ! وقال ابن عباس - رضى اللّه عنهما - : دعا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم اليهود إلى الإسلام ، ورغبهم فيه ، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، فهم كانوا خيرا وأعلم منا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . ه . الإشارة : وإذا قيل لمن أكبّ على دنياه ، واتخذ إلهه هواه ، فأشرك في محبة اللّه سواه : أقلع عن حظوظك وهواك ، وأفرد الوجهة إلى مولاك ، واتبع ما أنزل اللّه من وجوب مخالفة الهوى ومحبة المولى ، قال : بل أتبع ما وجدت عليه الآباء والأجداد ، وأكبّ عليه جلّ العباد ، فيقال له : أتتبعهم في متابعة الهوى ، ولو كانوا لا يعقلون شيئا